الخميس، 4 مارس 2010

"نفسك تطلعي إيه؟!" (الجزء الأخير)


كنت منظمة الأفكار
كنت اعرف جيدًا عن أي شيء سأكتب ...
فهذه هي حلقتي الأخيرة ...
والباب سيغلق اليوم.
ولكن ما إن هممت بكتابة أولى حروفي....حتى تعثر القلم!!

فالفرق كبير بين أن تكتب حكاية تسرد أحداثها في سطور ..
وبين أن تكتب عن مشاعر لا تقوى السطور على ترجمتها!!

فالحكاية ما هي إلا وقائع عشتها أو عاصرتها، تسرد أحداثها لمن لا يعرفها.
كتابتها ليست بالأمر الصعب ..
فهي بالنسبة لأي قاص محترف أو حتى غير محترف... مجرد حكاية!
أما عن الكتابة عن ما تحب وما تكره فالأمر ليس سهلا على الإطلاق!
فالحب والكره مشاعر .....مشاعر غير ملموسة ..
ربما كان هناك من يحترفون الكتابة عنها...
كالشاعر الذي يصف الحب لك وكأنك تلمسه!
أو يجسد لك الكره وكأنك تراه!
هؤلاء يحترفون ترجمة المشاعر شعرًا
ولكن عفوًا.... أنا لست شاعرة!

ولأن القلم لازال متعثرًا حتى الآن ...سأبدأ بالشيء الذي يقوى عليه قلمي المسكين المتحير بين الكتابة والحذف!
سأبدأ بما أجيده الآن..
سأبدأ بالحكاية ...

ذات مرة، كنت أتحدث مع صديقة لي عن فيلم تشاركنا نحن الاثنان في الولع به ..
باختصار، كان فيلم "هملت" لـ Kenneth Branagh.. وما إن فًتح موضوع الفيلم إلا وأن قمت بالإشادة به في كل شيء بدءً من أداء الممثلين وعلى رأسهم Kenneth Branagh و Kate Winslet إلى حركة الكاميرا والديكور!

كنت أتحدث وأتحدث وكأن قام أحدهم بالضغط على زر السينماتغرافيا الذي بداخلي!!

لفتت نظري صديقتي إلى شغفي السينمائي والذي كان في بعض الأحيان مدعاة للسخرية من قبل البعض.
اقترحت عليَّ أن أتعلم كيف اصنع فيلمًا قصيرًا على أحد برامج الـ Software ...
كانت هذه أول مرة أعرف فيها أن بإمكاني أن أصنع فيلمي الصغير!!

في بادئ الأمر ..كان الأمر صعبًا إلى حدٍ ما ...فأنا لا أجيد التعامل مع برامج الـ Software ، فبيني وبينها ما صنع الحداد!
ولكن ما كان يجعلني أصر على تعلم هذا البرنامج ذو التفاصيل السخيفة ...هو أن بإمكاني أن اصنع فيلمي الصغير
كانت كل خطوة انجح في تعلمها، كانت بمثابة سطرًا جديدًا من سطور مشاعري التي لا أجيد كتابتها بالكلمات!

فالسينما صورة ..
صورة لما بداخلنا..
وأيًا كان ما بداخلنا، ...فالصورة جديرة بأن تفضحه!!

قرأت الكثير عن السعادة وعن كيفية الوصول إليها...
ولكن عندما رأيت صورة بألوان ذاهية .....فرحت!!

يطل علينا كل يوم في نشرة الأخبار، رجل وقور بكرافات أنيقة، يحكي لنا في سرد ممل معاناة الشعب الفلسطيني...
ولكن عندما رأيت صورة لسيدة فلسطينية تحتضن شجرة زيتون
قامت القوات الإسرائيلية باقتطاعها...
بكيت!!

الصورة هي نحن...
هي حقيقتنا..
هي التي تصرخ فينا لتقول:
"ها أنا أنتم"!!

وبالطبع لا أقصد تلك الصورة التي نبتسم فيها جميعًا وينتهي بها الحال في برواز أنيق لتوضع بعدها في صالون بيوتنا!!
بل أقصد هنا الصورة الحقيقة
الحقيقة بجمالها وقبحها..
برقتها وقسوتها..

الحقيقة دون ابتسامات مصطنعة وبراويز!!
فتكفينا براويز حياتنا الأنيقة التي أُقحمت بها تلك الابتسامات الكاذبة!!

قال لي أحد الزملاء: "يادي الصور اللي كلت دماغك"!!
كان هذا التعبير هو الأقرب لحقيقة ما أنا فيه الآن ...
فالصور "كلت دماغي فعلا"!!
ولأن السينما ما هي إلا صورة بُثت فيها الروح ...فكان ولعي بالأثنان ملفتًا للجميع!!

وكان فيلمي الصغير ...
والحق أنه لم يكن فيلم بالمعنى المتعارف عليه. فلم يكن هناك مجموعة من الممثلين يؤدون أدوارًا، ولم تكن هناك كاميرا!!
بل كان مجرد كليب من دقيقتين فقط لمجموعة من الصورة المعبرة عن القضية الفلسطينية مصحوبة بخلفية موسيقية لأغنية راجعون بصوت السيدة فيروز!!

كان الكليب بسيطًا جدًا ...
ابسط بكثير من تعليمات البرنامج المعقدة الذي تم تنفيذ الكليب من خلاله!!
ولكن كنت أراه لسان حالي ...
فقد كنت مؤمنة به...
مؤمنة بصورته...
مؤمنة بقضيته..
مؤمنة بأننا راجعون!!

وهذا هو كل شيء ...
الإيمان...
الإيمان بما أفعله....
الإحساس به....

كنت سعيدة بأول إنتاج سينمائي لي !!
إنتاج لم يكلفني شيء ...سوى بعض الوقت في البحث عن صور وكثير من الصبر على تعلم برنامج معقد.

هناك العشرات من مخرجي السينما العظام التي تتحدث عن أفلامهم الصحف ووسائل الإعلام ..
أفلامهم كانت تبهرني بالمعنى الحرفي للإبهار ....ولكن كنت دائمًا ما أفضل فيلمي الصغير عليهم!!

لسبب بسيط، هو أنه.... فيلمي أنا!!
أصبحت هوايتي الجديدة هي صناعة الأفلام القصيرة بواسطة ذلك البرنامج
كانت أفلامي الصغيرة تنال إعجاب الكثيرين حتى أن اقترح عليَّ بعضهم دراسة الإخراج السينمائي!

الإخراج السينمائي؟؟؟!!
كانت هذه المرة الأولى التي أفكر فيها في أمر ولا أقول بعدها:
"ولما لا؟"!!

ربما لأنها من الأشياء الحائرة بين قطبي الحلال والحرام॥

ربما لأنها من المهن البلورية التي يكفي أن نرى أصحابها من وراء الزجاج!!
فمجتمعًا دائمًا ما يخاف كسر الزجاج

أو ربما ما أفعله ليس إخراجًا من الأصل!

والحق أني لم أفكر في الأمر كثيرًا...لأني ببساطة لم أعد أهتم بالإجابة على سؤال مدونتي!!
فهذا السؤال الذي يبدو مهمًا ...أقحم عليَّ سؤالا آخر أكثر أهمية ...بل أعتبره سؤالا مصيريًا ...يصارعني وكأني عدوته!!

إذا حاولت الهروب منه ....
تتلفظه ألسنة الآخرين!
وإذاحاولت التصالح معه بجواب كاذب...
يقوم منطقه برفضه!

هو سؤالٌ عنيد ....يرفض الكذب والهروب
ولا يقبل غير المواجهة
وهو..
لماذا لم أعرف قدراتي من تلقاء نفسي؟
فلماذا لم أعرف أني أحب الرسم...إلا عندما أمتدح مراقب اللجنة لوحتي الصغيرة؟
لماذا لم أعرف أني أحب الكتابة ...إلا عندما أشادت مدرستي بموضوع التعبير الذي كتبته؟
لماذا لم أعرف أني من الممكن أن أصنع فيلم ....إلا عندما نبهتني صديقتي لذلك؟
لماذا دائمًا ما يجب أن يكون هناك "عامل مساعد"، يرشدني لما أحب؟
لماذا أنا هكذا؟
ولماذا لم أتغير بعد كل هذه السنين؟

يا الله،...أنها أسئلة كثيرة!!

أسئلة تنتظر الإجابة مني ...أو من الآخرين
لا أعرف ..
ولكن ما أعرفه جيدًا أنه كان حولي من ساعدني لكي أتحسس خطاي في ظلمة ما أحب وما أكره!
حتى ولو كان كل ما فعلوه مجرد إضاءة الشمعة!!

فشكرًا لمراقب اللجنة الذي لا أتذكر ملامحه حتى الآن!
وشكرًا لمدرستي التي كان أسمها بالمناسبة "أبلة وفاء"!
وشكرًا لصديقتي التي شجعتني لأتعلم كيف أن أعبر عن مشاعري في أفلام صغيرة

وشكرًا للسؤال الذي جعلني أواجه تكتمي وأكتب هذه الكلمات...
السؤال الذي لم أجب عليه حتى الآن!

"نفسك تطلعي إيه؟!"

الأربعاء، 27 يناير 2010

"نفسك تطلعي إيه؟!" (الجزء الثالث)

ورقة رغبات ...
كانت لها قدسية خاصة جدًا في تلك الليلة الموعودة ...

"اكتبي يا لبنى بقلم رصاص علشان ماتشغبطيش في الورقة"

"حاسبي يا بنتي الورقة هتقطع"

"خاللي الورقة على جنب علشان ما تتلخبطش مع الورق التاني"..

كانت ليلة ليلاء ...بطلتها الوحيدة "ورقة رغبات"!!
اذكر أن جميع أفراد عائلتي التفوا حول تلك الورقة وبدأ كل واحد منهم يدلو بدلوه:

"لبنى انت بتحبي الشعر إيه رأيك في كلية دار العلوم كرغبة أولى؟؟"

"لأ...كلية تربية رغبة أولى ॥المدرسين بيتعينوا بسرعة"

"لا..لا..حقوق حقوق"!!

كانت اقتراحاتهم شديدة التلقائية ..وكأنهم يتناقشون حول الوجبة المناسبة التي سيطلبونها من هاتف الـ "دليفري"!!
حسمت الموقف على غير عادتي وكتبت كلية الآداب جامعة عين شمس كرغبة أولى ...ولكن في أي قسم؟؟!
تلك هي المشكلة!!
هملت يُبعث من جديد في شخصي الكريم!!
قرأت تلك المسرحية التي تُعتبر من روائع ما كتب شكسبير فوق الثلاث مرات...
تابعتها في السينما والمسرح..وقرأت العديد من المقالات النقدية عنها

كنت ألوم على هملت تردده ...
فقد كان يمتلكني الغيظ الشديد في كل مرة اقرأ فيها أو أشاهد ذلك المشهد الشهير لمحاولة هملت قتل عمه وهو يصلي، ثم يتراجع هملت في آخر لحظة!!
كنت اصرخ بداخلي:
"هيا ..اقتله ..لما الانتظار؟" "ده أنت رخم رخامة"!!

كنت أعيب على هذه الشخصية حيرتها الدائمة ..إلى أن وقعت في الحيرة نفسها!!
فقد كان هناك شيئًا بداخلي أريد قتله ...ودائمًا ما كنت أتردد في اللحظة الأخيرة..
شيء هلامي غير محدد..
ربما الخوف ....ربما الشك..
نعم هو الشك....الشك الذي كلما أردت قتله أخاف أن يكون يقينًا!!

جواب مكتب التنسيق ....

أفاد "جواب مكتب التنسيق" بأنه قد تم قبولي في كلية الآداب جامعة عين شمس ...
وذهبت إلى الجامعة بصحبة والدي لاختيار القسم المجهول...
والحقيقة أن الكلية كانت أشبه بـ "مجلة للمنوعات"...ولأني من هواة البحث عن العالم، فقد كنت ابحث في الأقسام الخاصة باللغات أو الحضارات الأخرى في مجلة المنوعات هذه..

ولأن الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية كان يشترط الحصول على 48 درجة من مجموع 50 درجة كحد أدنى في مادة اللغة الإنجليزية، وهذا على اعتبار أن طلاب الثانوية العامة في مصر كانوا في الأصل أعضاء في الكونجرس الأمريكي ، فلم احتار كثيرًا في استبعاد قم اللغة الإنجليزية من حساباتي!

لم أكن أحب اللغة الفرنسية. ولم أكن أريد دراستها ..وقد حسمت الكلية الأمر من تلقاء نفسها قبل أن أحتار ...وذلك باشتراطها أن أكون خريجة لإحدى المدارس الفرنسية أو على الأقل درست اللغة الفرنسية كلغة أولى في المرحلة الإعدادية وهذا ما لم ينطبق عليَّ.

"خلاص ..بلاها سوسو"...وسأبحث من جديد...

قسم اللغة العبرية ....القسم المنبوذ ...فقد كان هناك تصور ساذج بأن طلاب هذا القسم "غير منتمين" أو فيهم شيء من الريبة لمجرد أنهم يدرسون لغة ودين وثقافة أعدائنا!!
كانوا محط سخرية باقي الطلاب لدرجة أن مكان تجمعهم في حديقة الجامعة كان يُسمى بـ "تل أبيب"!!

بالطبع لم أبالي بهذه التفاهات وحاولت الالتحاق بهذا القسم المثير للجدل ...فقد كنت دائمًا مهتمة بدراسة التاريخ اليهودي ..إن صحت هنا كلمة "تاريخ"!!

ولكن حدث أن قال لي أحد طلاب هذا القسم أو الأول على الدفعة كان تقديره "جيد"
"جيد" فقط!!
بالطبع أوحالي بأن الدراسة في هذا القسم صعبة وشاقة...خصوصًا أن الحروف العبرية لها طريقة معينة في القراءة والكتابة وفي كل شيء ....
حاولت أن استجمع شجاعتي ...واستبعد فكرة الفشل ..
ولكني ترددت..
ترددت في قتل شكٍ ..خفت أن يكون يقينًا!!
فأستبعدت هذا القسم من حساباتي على مضض كبير !!

قسم اللغات الشرقية ....فارسي ...تركي ...أوردي (لغة الهند وباكستان)
أعجبتني فكرة أن أدرس لغات لم أدرسها من قبل في حياتي ....لغات جديدة ...لحضارات قديمة ...

التحقت بهذا القسم ...وكنت سعيدة جدًا بالتحاقي به..
درست اللغات الثلاث في السنة الأولى وتخصصت في اللغة الفارسية في السنة الثانية وهذا بعد سجال طويل مع عائلتي ...

سجال ربما استمر لأربع سنوات هي مدة دراستي في هذا القسم!!
ربما لأن الفارسية لغة غير معروفة للكثيرين...
ربما لأن سوق العمل لا يتطلبها في مصر...
وربما لأسباب أخرى تتعلق بالسياسة لا علم لي بها!!

المهم أني أحببت هذه اللغة وتفوقت فيها أثناء دراستي ...فقد كنت احصل على تقدير امتياز في مادة الترجمة.

"الترجمة...لما لا؟؟!!"

كنت احدث نفسي بتلك الكلمات كلما ترجمت مقالاً وأبيات شعرية فارسية بشكل جيد ...فقد كنت اعشق الاطلاع على تلك الحضارة وآدابها ..وكأني أملك حياتين ...حياة عربية في مصر ...وحياة أخرى فارسية في بلاد فارس.
كان هذا دائمًا ما يميز أي دارس لأي لغة غريبة عليه..."امتلاك مفاتيح الحضارات" ...والأمر يصبح أكثر متعة حين تكون تلك الحضارات من أعظم حضارات التاريخ الإنساني.

أبهرتني تلك المعاني السامية التي كتبها عمر الخيام في رباعياته ...كنت أقوم بترجمتها في سعادة وكأني أول من نقلها إلى العربية!!
كنت مستمتعة بما افعله!!....عمر الخيام، حافظ الشيرازي وغيرهم من شعراء وأدباء فرس أثروا حضارتهم بما قدموه من أدب وفن في قصة قصيرة أو قصيدة. كنا نتنافس أنا وزملائي من منا يستطيع ترجمة هذه التحف الفنية إلى أقرب معنى لها بصيغة عربية بديعة وليست سليمة فقط!

كنا دائمًا نفكر في الجمال ....الجمال أولا قبل كل شيء ...فالترجمة فن ..وليست مجرد نقل للعبارات إلى لغتنا.
كنا مبدعين حقًا ...حتى من لم يكن مبدعًا منا تعلم معنى الذوق ومعنى جمال الكلمة...

إلى أن دخلت سوق العمل ...وهناك ..لا مكان للجمال ولا وقت للإبداع ...فقط "إنقل للعربية"!!
وخصوصًا في ذلك المجال الذي تخصصت فيه ..فقد أصبحت مترجمة لبرامج الـ Software بالفارسية!!

فتحولت "رباعيات الخيام"...إلى "انقر فوق الزر الأيمن"!!

لم أعد أرى جمالا ..ولم يُسمح لي أصلا باستخدام تعبيرات أدبية في الترجمة...
فالعميل لا يريد جمالا ...يريد فقط بيع منتجه!!

لم تكن صدمتي كبيرة ...فهي أشبه بالصدمات الثقافية التي نقابلها كل يوم ...علاجها الوحيد ..هو التأقلم معها وليس تغيرها.

فرباعيات الخيام لن تجني المال للشركات!!
ولا مكان للجمال في عالمٍ اختار القبح بمحض إرادته!!

الخميس، 14 يناير 2010

"نفسك تطلعي إيه؟!" (الجزء الثاني)



"يا أبيض.. يا أسود"!!
عبارة شهيرة تُقال عادةَ في لهجة حاسمة ووجه متجهم للتعبير عن الرغبة في تحديد المصير!!
لونين لا ثالث لهما...لا يقبلان أي لون آخر بينهما ....ولا يريدان حتى الإتحاد فيما بينهما ليصلا إلى اللون الرمادي ...ذلك اللون الحيادي الذي لا يُغضب أحدًا!!

عند انتقالي إلى تلك المرحلة التي يحلو للبعض تسميتها بـ "عنق الزجاجة" ..أو بمعنى أصح "الثانوية العامة"...ورغم أن التوتر والقلق توأمي الملتصق ..إلا أني في هذه المرحلة لم أشعر بذلك التوتر المفروض على كل طالب في الثانوية العامة ..لم أؤدي ذلك الواجب القومي في التوتر والقلق ...ليس لأني كنت طالبة فذة وعبقرية ولا أخاف تلك التفاهات التي تسمى بامتحانات آخر العام ...
لا ...بل لأنني كنت أعيش عالم رمادي ...فقد كان كل ما حولي رمادي ...
حوائط المدرسة....
زي المدرسة ....
وأحلامي أيضًا!!

في تلك المرحلة لم أكن ذلك الطالب الذي لديه حلم معين ويحترق من أجل تحقيقه!!


فلم أكن أريد شيئًا معينًا ...ولم أحب شيئًا معينًا ...

ولكن حدث ذات مرة أن قامت مدرسة اللغة العربية بإعطائنا بعض الفروض المدرسية ومن بينها كتابة موضوع تعبير عن مشكلة البطالة في مصر ...كان الموضوع محبطًا نوعًا ما لطلاب في مثل عمرنا ....
فقمت بكتابة الموضوع من باب أنه "واجب دراسي" أقوم به خوفًا من العقاب ...وليس لتعلم شيئًا جديدًا!!


في اليوم التالي، قمت بتسليم ما كتبته لمدرستي كباقي زميلاتي في الفصل غير مكترثة بتلك الأخطاء النحوية التي وقعت فيها أثناء كتابتي...فيكفيها أني قمت بالكتابة أصلا!!..
هكذا كنت أفكر !!

بعد يومين، جاءت مدرستي إلى الفصل وفوجئت بها تنادي باسمي:

"فين لبنى عبد الهادي؟؟!!"
لم أشعر بقدماي يومها حين وقفت والخوف يعتصرني ....كنت اسمع صوت دقات قلبي ..وظننت أن العالم كله يسمعها أيضًا!!

ماذا تريد مني مدرستي؟...ماذا فعلت؟!!.
من المؤكد أنه شيء خطير ما يجعلها تناديني باسمي كاملا دون تردد!

فقد كانت مشكلتي هي أن معظم مدرسيني ينسون اسمي!!
ولما لا.. فالفصل به أكثر من 50 طالبة يرتدون نفس الزي ...ونفس اللون الرمادي!!

كنت أُنادى دائمًا في الفصل بـ "اللي بعدها"!! ...وهذا على اعتبار أننا مجرد "تسلسل منتظم" وليس لنا اسماء!!

"تعالي يا لبنى هنا"...قالتها بهدوء شديد!!
كان مقعدي في آخر الفصل تقريبًا ...كما أحب دائمًا!


فقد كنت أكره المواجهة!!
مشيت في خطوات مترددة وأقول في نفسي:

"هي الأخطاء النحوية اللي عملتها!!...كان فيها إيه يعني لو كنت خليت بابا هو اللي يكتبلي الموضوع زي ما صحبتي عملت؟؟!!...كان لازم يعني اتفزلك واكتبه أنا؟؟ ليه يعني؟ أنيس منصور حضرتي؟!!"

أنيس منصور ....

كان الكاتب الأول بالنسبة لي في تلك المرحلة العمرية...وكنت أهوى مقالته الساخرة!! وكأنه يتحدث على لساني!!

نظرت إليها بعين استرحام وقبل أن أنطق بكلمة ....بادرت هي بامتداحها لأسلوبي في كتابة الموضوع ...وطلبت مني أن اقرأ الموضوع على زميلاتي في الفصل بصوت عالي!!
كاد أن يُغشى عليَّ من هول المفاجئة!!



أنا؟!...أسلوب جميل؟!..وصوت عالي؟؟!!

ثالوث آخر لا يجتمع فيَّ أبدًا ...على الأقل أثناء تلك المرحلة العمرية.

أمسكت بكراستي..وبدأت اقرأ أول سطور الموضوع في صوت مرتعش!!

قاطعتني زميلة لي موجهة كلامها إلى المدرسة:
"مش سامعين يا أبلة"!!

بدأت أرفع من مستوى صوتي فبدى ارتعاشه أكثر وضوحًا!!...إلى أن انتهى الموقف بتصفيق زميلاتي !!

كنت سعيدة ..غير مصدقة لما حدث ...لقد عرفت ما أريد!!...لقد أمسكت بطرف الخيط!!

الكتابة!! ...نعم !!...لماذا لا يكون هدفي هو الكتابة إذن؟...لماذا لا أكون صحفية مثلا والتحق بكلية الإعلام؟

كنت كالغارق الذي يتعلق بالقشة ...حتى ولو كان يدري أن مصيره هو الغرق لا محالة ...فالقشة بطبيعة الحال لا تحتمل ...ومجموعي أيضًا لم يحتمل!!...
ولأن مكتب التنسيق هو من يحدد أهدافنا وليس نحن..بدأت من جديد أبحث عن بديل ...
بديل لهدفي ... هدفي الذي لم يكن موجودًا في الأصل!!




الأحد، 20 ديسمبر 2009

"نفسك تطلعي إيه؟!" (الجزء الأول)


كنت في السابعة من عمري حين سألني أحد أصدقاء والدي ذلك السؤال الأزلي المعتاد: "نفسك تطلعي ايه يا حبيتي؟؟" ...ولأن السؤال كان أزليًا وتتوارثه الأجيال ...فلابد أيضًا أن تكون الإجابة أزلية: "نفسي اطلع دكتورة"!! ......أتذكر نظرة الفخر تلك التي كانت في عيون والدي وهو يبتسم لصديقه بعد إصداري لهذا لتصريح الخطير..."دكتورة"!!

عرفت بعد ذلك أن مهنة الطب كانت حكرًا على أحلام أطفال جيلي...وربما الأجيال التي أتت بعد ذلك ..فالسؤال يتكرر ...والإجابة أيضًا!!

كانت أقصى حدود علمي عن تلك المهنة وقتها ...هو ذلك البالطو الأبيض الذي كانت ترديه تلك السيدة ذات الوجه العابس التي أتت إلى قريتنا وجلست أمام باب الوحدة الصحية هناك وأمامها طوابير من الأطفال مع أمهاتهم ...حيث تضع في أفواه عنوة تلك القطرات المرة....فقد كان بجانبها لافتة كبيرة مكتوب عليها "الحملة القومية للتطعيم ضد مرض شلل الأطفال"!!

هذا كل شيء ...بالطو أبيض ...ووجه عابس ...وقطرات مرة!!
ثالوث مقدس اختزن في ذاكرتي عن الطبيب ...والحق أنه كان من الصعب كسر قدسيته ...فالعبوس والمرارة والبالطو الأبيض ...كانت أول الأشياء التي تخطر ببالي عند زيارة عيادة أحدهم!!

بدأ الحلم يتلاشى شيئًا فشيئًا ...

خصوصًا أن ميولي العلمية كانت تساوي دائمًا 5/10 في الامتحانات...وفي الكثير من الأحيان أقل من تلك الدرجات الخمس!!

كنت أحب مادة التاريخ......كنت أعشقها ...كنت أراها أفلامًا سينمائية أبطالها...



صلاح الدين الأيوبي...وأحمد عرابي ...والظاهر بيبرس!!
كنت أراهم بين السطور ...أتخيل المشهد كاملا!!

تحرير القدس...فتح مصر...ثورة عرابي ...كلها كانت مشاهد عالية الجودة!!
فقد كنت أتخيل ...ولا أقرأ!!
اذكر أن مدرسي العزيز قام بالشكوى ضدي لدى أبي ...لأني كنت دائمًا ما "اسرح" أثناء الدرس!!

وقتها لم يكن لي حلم محدد أسعى لتحقيقه...فقط أذاكر لأنجح!!...فأصبح ذلك السؤال الأزلي المعتاد ...سؤال محرج جدًا ...لا أستطيع الإجابة عليه!!...وأخجل من أن أقول "لا أعرف" ..
هذا على اعتبار أنه سؤال بديهي!

كانت هوايتي الوحيدة آنذاك هي الرسم ...فقد كنت مولعة بحصص الرسم في المدرسة!
كانت مليئة بالألوان...والأفكار ...والمرح!!
كانت مدرسة الرسم تعطينا الحرية الكاملة للابتكار...كنا نرسم..أي شيء ..وكل شيء..كنا نسخر من رسومات بعضنا البعض ونضحك!

نضحك ونرسم ونبتكر ...
ثالوث آخر، ....ولكنه مختلف هذه المرة!!

في امتحان مادة الرسم أثناء مرحلتي الإعدادية ...أذكر أن السؤال الإجباري كان مضمونه هو أن أقوم برسم شيء ما يُعبر عن "مصر" ...أمسكت بألواني ...وبدأت في الرسم ....
كنت طفلة ...وأرسم بلادي بعيون طفلة ...فرسمت صورة فكرتها ساذجة...وهي أن أجمع كل ما يميز مصر جنبًا إلى جنب وقرص الشمس الكبير ..يحيطهم جميعًا من الخلف!!

فرسمت الأهرامات بجانبه برج القاهرة ونخلتين ونهر النيل يجري من تحتهم جميعًا وقرص الشمس يشع ضوئه من خلفهم ....كنت منهمكة في تلوين قرص الشمس ...فقد كان كبيرًا ....ولما لا؟؟ وهو يحتضن الأهرام بأكملها وبرج القاهرة والنخلتين ...والحق أني كنت حريصة على تواجد النخلتين بلوحتي الفذة ....على اعتبار أن مصر دولة زراعية!!

وسط انهماكي الشديد ...حدث وأن قام مراقب اللجنة بسحب لوحتي الفنية التي أخذ ينظر إليها بإعجاب شديد، ويعرضها على زميله في اللجنة ثم مراقب الدور ..كانوا يتبادلون كلمات المدح في اللوحة التي لم أكملها ...المدهش أني كنت سخيفة بعض الشيء وطلبت منهم - بعد أن شكرتهم – إحضار ورقة الإجابة سريعًا لأكمل لوحة الموناليزا الخاصة بي ...فقد كان وقت الامتحان يداهمني ...وهناك أسئلة أخرى غير هذا السؤال الإجباري!!

كان الخوف والقلق توأمي الملتصق ...الذي يفسد علي لحظات نادرًا ما تتكرر في حياتي..
لحظات أسميها ..." نجاحًا"!!

عندها،.. أمسكت بأول طرف خيط يصل بي إلى الإجابة على السؤال الأزلي...فلماذا لا يكون حلمي هو الالتحاق بكلية الفنون الجميلة ...طالما أني أحب الرسم ..وأجيده مثلما يقول البعض؟

"آخرك هتبقي مدرسة رسم"!!...
كلمات صادمة تلقيتها من صديقتي عندما عرضت عليها الموضوع ...قالت لي في بلادنا هذه لا مكان للمبتكرين غير حصص الرسم والتي غالبًا ما يتم استبدالها بحصص الرياضة والكيمياء عند اقتراب موعد الامتحانات
فلا وقت للهو!!

اللهو .....ما إن سمعت هذه الكلمة إلا وانكسر الحلم بداخلي قبل أن يُولد ...فأنا عندما أرسم لا ألهو ..بل أترجم مشاعري إلى صور ورسومات ...وأنا لا أحتمل أن يُقال أن مشاعري لهوًا!!
ونسيت .....نسيت حتى كيف ارسم!!

وبدأت ابحث عن طرف خيط آخر ...لأصل به إلى إجابة أخرى لذالك السؤال الذي يطاردني ...طوال سنوات عمري ..."نفسك تطلعي إيه؟!!"

الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

اسم مستعار ..وكلمة سر!! (الحلقة الأخيرة)



طالما أزعجتني فكرة الاغتراب لبلاد أخرى والهروب إلى حضارات أخرى لمجرد أن أحوال بلادنا لا تروق لنا.. كنت أنتقد بشدة كل من يرتدي تلك القبعة الغربية متحججًا بأن بلادنا العربية لا تعرف الفرق بين الحضارة والتحضر. فهي بلاد ليس بها خير لنا ..أو بالأحرى ..لا تستحق الخير منا!
أما هناك ..في بلاد الغيوم....تلك البلاد الباردة في كل شيء ..سنجد احترام الآخرين والحرية والتحضر...ربما تحضر بلا حضارة ..ولكن لا يهم ..فالماضي ..قد مضى ..ومن حكمناه بالأمس ...هو من يحكم اليوم....فلما نمارس غرور الماضي الآن؟!!..لماذا نفتخر دائمًا بحضارة لم نصنعها بأيدينا؟...صنعها أناس آخرون في زمن آخر كان لهم وحدهم..ونحن جئنا إلى الدنيا فقتلنا تلك الحضارة بداخلنا قبل أن تموت بفعل عوامل التعرية!!..
فلنبقى بجانبهم إذن ..أو حتى أسفلهم .لا يهم....فهم الأقوى ..والبقاء دائمًا للأقوى!!..هذه قواعد اللعبة!!

تفكير منطقي .. ولكني لا أحترمه ...فكنت أرى في هؤلاء.. النموذج السخيف للإنسان العربي "غير المنتمي"..حيث كانت التذمر هي لغته الأم ..وليست العربية!!

ورغم سخافة هذا النموذج ..إلا إني بعد تجربتي التي خضتها بالمنتديات العربية ..والتي هي بالتأكيد نموذج مصغر لبلادنا العربية، قد التمست لهم القليل من العذر..القليل فقط ..وليس التبرئة ...فهم لا يزالوا في نظري "غير منتمين" ..

الحق أن التجربة كانت قاسية في منتدياتنا ..كانت محبطة إلى حد كبير ..ولأن المنتديات ما هي إلا بلاد ...فقد قررت أن أخوض تجربة أخرى ..من نوع آخر وأسافر بعيدًا باسمي المستعار ..وكلمة السر الخاصة بي والتي عادةً ..لا تتغير!!
سأحقق التوازن ..ولكن لن أكون ذلك النموذج السخيف المتعجرف ذو القبعة..فبطبيعة الحال لأحب ارتداء القبعات...سأكون أنا ..أنا كما أنا بلا قبعات .فأنا لا أحب القبعات!!....ربما ستتغير لغتي ...ولكن ..
لن تتغير لهجتي !!

حدث في أحد المنتديات الأمريكية

كان هذا عنوان مقالي الذي وضعته من قبل في أحد المنتديات العربية.. أشكو فيه ما حدث لي في أمريكا ..أقصد أحد المنتديات الأمريكية!!... والذي بالمناسبة ..تم نقله إلى العديد من المنتديات العربية من باب "السرقة" بنفس العنوان وبنفس المحتوى دون تغير حرف واحد فيه!!
فشخصية "السارق" هي البطلة الرئيسة في مسلسل "شخصيات منتدياتنا العربية" ..التي قمت بسرد حلقاته من قبل...وتأتي هذه الحلقة الأخيرة ..لتوضح ما حدث ...

اسم مستعار ..وكلمة سر ..كانت هذه أولى طلبات التسجيل في أحد المنتديات الأمريكية..
Hi All
I'm Lobna from Egypt..

.كانت هذه أولى كلماتي إليهم ...وعلى غير المتوقع ..كان ترحيبهم بي كبيرًا ...خصوصًا عندما علموا إني من مصر ...اكتشفت أن مصر لها مكانة كبيرة في قلوب الكثير من الأمريكيين ...على عكس المصريين أنفسهم!!
فقد أخذوا يسألوني عن الأهرامات وأبو الهول وشرم الشيخ...وطلبوا مني إدراج صور للنيل والأهرامات والمعابد...

كانوا بسطاء في معاملتهم ...جادين جدًا في شروط التسجيل بمنتداهم....
أذكر أنه كان ضمن شروط التسجيل عدم الإساءة لأي عضو من أعضاء المنتدى ..وخصوصًا المثليين منهم!!

تعجبت من التأكيد المبالغ فيه على احترام الآخرين حتى ولو كانوا شواذ جنسيًا ..في الوقت الذي قامت فيه القوات الأمريكية في العراق بتصوير معتقلي "أبو غريب" ..وهم عراة!!

كانت فرصتي كبيرة لأعرض أهم قضايا أمتي العربية ..في منتدى عرفت بعد ذلك أنه من أكثر المنتديات الأمريكية شهرة وشعبية ..ولا يعرف أعضاءه عن مصر سوى أن عاصمتها Cairo وتقع بها الأهرامات والنيل!!

"لماذا نسمع (نحن الأمريكيون) أخبار مقتل 7 إسرائيليين ولا نسمع عن الإبادة الجماعية في غزة؟؟!!"

كان هذا ترجمة لعنوان مقال باللغة الإنجليزية كتبه صحفي أمريكي ..في إحدى الجرائد الإلكترونية الأمريكية ...وقد قمت بنسخ المقال كما هو على صفحة المنتدى في القسم السياسي ..كأول موضوع لي أقوم بمناقشته في منتداهم الكريم..
كان المقال ينطق بالحق رغم قصره ..كان شديد الأهمية …وتنبع أهميته في أن كاتبه أمريكي مثلهم …فلم يكن عربيًا …ولم يكن مسلمًا…فقط ..قمت بنسخ المقال كما هو مع إدراج رابط المصدر المأخوذ عنه المقال ..وذلك لكي أبعد عني أي شبهة أمامهم في فبركته!!

كان المقال يقول في مجمله أن السبب الرئيسي في أننا كأمريكيين لا نعرف شيء عن الإبادة الجماعية التي تحدث ضد الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين ..في الوقت الذي نسمع فيه دائمًا عن مقتل 7 إسرائيليين ..هو أن اللوبي اليهودي هو المتحكم الأول في الإعلام والاقتصاد الأمريكي…

وفي نهاية المقال عرضت عليهم الموضوع لمناقشته فكتبت أسفل المقال هذا السؤال: "?What do you think"
تاركة لهم حرية التفكير في الأمر ..وحرية الرد أيضًا..

وكان ردهم سريعًا ...سريعًا جدًا ...ففي اليوم التالي فقط ...وصلتني رسالة من المنتدى تفيد بحذف عضويتي!!

كانت المفاجئة كبيرة ...كبيرة لدرجة أني كنت أقرأ سطور الرسالة بشكل سريع جدًا لأعرف سبب حذف
عضويتي !!...وتوقفت عيناي عند كلمة " Trolling" وتعني "التصيد".....لم افهم ما معنى "التصيد" هنا؟!!

فأنا لم أسب أحدًا ..لم أهاجم فئة معينة، ...قمت بعرض الموضوع في مكانه المناسب بالمنتدى، ...لم أرتجل كلمات حماسية قبل أو بعد المقال،...لم أشعرهم حتى أني مسلمة ...فلم يكن هناك مكان مخصص لكتابة الديانة في التسجيل... وهذا على اعتبار أنهم ....أو كما يظنون أنفسهم ...متحضرون!!

شعرت بالاهانة .. وكأنما يقول لي أحدهم: "أخرسي"!!...."لا نريدك بيننا"....عرفت يومها ما معنى أن تعيش غريبًا في بلد غريبة ..رغم أني لازلت في مكاني!!

كان من الممكن أن أتحايل ...كان من الممكن أنضم إليهم من جديد ...باسم مستعار جديد ..وبعضوية جديدة ..ولن يعرف أحد بذلك ..ولكن كنت سأضطر إلى أن أرتدي تلك القبعة اللعينة التي لا تناسبني ..فأنا لا أحب القبعات!!

قال لي أحد الأصدقاء: "هوني على نفسك، فربما كان مدير المنتدى يهوديًا متعصبًا وستكون هذه الحالة حالة فردية ولا تمثل الشعب الأمريكي ككل أو ربما كان المنتدى حكوميًا وتابع لرقابة الدولة"

ربما كان كلامه صحيح .. ولكن صحة كلامه ...قد زادت جرحي عمقًا!!...فقد أصبحنا بالنسبة إليهم أقل أهمية من شواذهم!!

كانت تجربتي مع المنتديات صادمة وقاسية نوعًا ما.. فقررت أن أترك كل ما هو "منتدى"..
ولكن لن أترك رحلة بحثي ...
واكتشفت الكثير،..فكنت أرى أن الدنيا كلها كالكتاب الصغير ..الذي يمكن تصفحه سريعًا
ولكن عبث!!..فالدنيا هي الدنيا ..عالم شاسع ..لا نستطيع معرفة كل ما في طياته...
حتى لو وصلنا لما نريد ..فهناك أشياء أخرى لم نصل إليها بعد ..ربما لأننا لم نسمع بها من الأصل!!
اكتشفت أن تلك النافذة السحرية ما هي إلا ثقب صغير أتلصص منه !!... أتلصص فقط!!

ولكن ستتعجبون إن قلت أني مكتفية بالتلصص ...سعيدة بهذا الغموض الذي يحوم حول الأشياء التي لا أعرفها..فهذا الغموض هو ما يحفزني للبحث ...ومن ثم متعة البحث!!

تعلمت أن صوتي هو ملكي أنا وحدي..فكانت مدونتي هذه ..فأصبح لي مكان في هذا العالم ..عالم لا استخدم فيه..
اسم مستعار...وكلمة سر!!
بل...
اسمي الحقيقي ...وكلمة سر!!

الاثنين، 7 ديسمبر 2009

اسم مستعار ..وكلمة سر!! (الحلقة الرابعة)


الإزدواجي

كلنا نحمل شخصيتين بداخلنا ..شخصيتنا ..والشخصية التي يجب أن نكون عليها...ولكننا نحاول دائمًا أن نقارب بين تلك الشخصيتين ..لنصل إلى الشخصية السوية التي نرغيها....نخطأ أحيانًا...نضعف أحيانًا ...نتناقض أحيانًا ..ولكننا نظل دائمًا داخل دائرة الشخصية السوية ..بمعنى إننا لا نبالغ في ضعفنا أو في ازدواجيتنا..

ولكن ازدواجية بعض الشخصيات الموجودة بالمنتديات قد تصل إلى الحد الأقصى من المبالغة ..فقد حدث ذات مرة أن عضوًا شيعيًا قام بسب أحد الصحابة في تعليق له على موضوع ديني ..فحذف مدير المنتدى تعليقه فورًا ورد عليه ردًا منطقيًا ومنظمًا مضيفًا إلى الرد الحُجج والبراهين على تحريم سب الصحابة من السنة النبوية الشريفة...كان رده حماسيًا جدًا..ومفعم بالإيمان بتلك القضية ...الحق أني أعجبت كثيرًا بطريقة عرضه وتحليله للموضوع ...وكأنه عالم جليل...أتى من زمن الأئمة!!

..في اليوم التالي ...في اليوم التالي فقط ..فلم تمر سنين...نفس المدير في نفس المنتدى ..يضع روابط لتحميل حلقات برنامج "هزي يا نواعم" – عفوًا للاسم - ...وهذا البرنامج للذي لا يعرفه ..هو برنامج مسابقات للرقص الشرقي ...وكانت الفضائية اللبنانية LBC تعرضه منذ عامين تقريبًا على شاشتها ..وكانت الراقصة نجوى فؤاد هي من ترئس لجنة التحكيم الموقرة!!.. والتي بالمناسبة كانت تضم رجال لهم شوارب تُلفت الأنظار إليها أكثر من الراقصة شبه العارية التي كانت تُلقب في البرنامج بـ "المتسابقة"!!
مهزلة ... مهزلة بكل المقاييس ..ولأن البرنامج الموقر ليس موضوعنا الآن ...فسأكتفي بالمهزلة الثانية الخاصة بمدير المنتدى ..فكما كان منظمًا وحماسيًا في طريقة رده على موضوع سب الصحابة...مضيفًا الأدلة والبراهين من السنة النبوية الشريفة ..كان أيضًا منظمًا وحماسيًا في طريقة عرضه لروابط تحميل البرنامج ... مضيفًا صور من البرنامج للراقصات وهن يؤدين رقصاتهن!!
كانت صدمتي أشبه بصدمة شخص وقع صيدًا لإحدى برامج الكاميرا الخفية..ولكن هذه المرة ...لم يكن الموقف مضحكًا.

المتحرش

شخصية تجدها في كل مكان ..فالمتحرش يمتلك من السماجة والوقاحة ما يجعله لا يتورع عن التواجد حتى أمام المساجد ليمارس هوايته السخيفة .....فبمجرد أن يرى فتاة ...مجرد فتاة .. ...يبدأ بإلقاء بعض كلمات الغزل بنوعيه العفيف والصريح على مسامعها دون سابق إنذار ...حتى ولو كانت لا تملك من الجمال والرشاقة ما يؤهلها لتكون هدفًا للمتحرشين .....وربما يتطور الوضع ويصبح التحرش بطرق أخرى غير الكلام!!

أما المتحرش في المنتديات له وضع مختلف ...فهو لا يرى شيئًا أصلا ...وهذا بالفعل ما يدعو للضحك!! .فالمتحرش على صفحات الإنترنيت أشبه بالشخصية الكوميدية التي تدعو للسخرية منه ...فهو يغازل الفراغ ...يغازل اللاشيء ... يغازل أي ملف شخصي (بروفايل) مكتوب فيه Female ...فهذه الكلمة لها واقع السحر على متحرشي المنتديات ..حتى ولو كانت تلك الفتاة مجرد صورة رمزية تظهر بجانب صفحة المنتدى!!

فكان السؤال الشهير"ممكن نتعرف؟" هو الشعار الرسمي لكثير من الأعضاء المراهقين وغير المراهقين أيضًا!!

حدث أن قام أحد الأعضاء في ثقة لا أعرف على أي أساس بناها لنفسه ..ودون أي مقدمات... قام بإرسال رقم هاتفه لي!!
يومها..وصلتني رسالة على صندوق الوارد الخاص بي بالمنتدى ووجدت فيه ..رقم هاتف!!...رقم هاتف فقط....بدون اسم.. بدون كلمات حتى!!..وكأن علي فقط أن افتح الباب دون أسأل من الطارق؟..أو ماذا تريد؟..فيكفيني شرفًا وفخرًا أن هذا العضو أرسل إليَّ رقم هاتفه!! ...وموافقتي لحفظ الرقم وقتها بالتأكيد أمر مفروغ منه!! ..و ما هو إلا تحصيل حاصل ..فهو متأكد من الرد!!

الحق أني ضحكت كثيرًا ..وكان هذا الموقف أكثر المواقف التي قابلتها على المنتديات ..تدعو للضحك!!...حتى أن صديقتي قالت لي بالحرف الواحد: "ده حافظ مش فاهم"!!

ولكن هناك بعض التحرشات غير المضحكة على الإطلاق ..بل وتُعد جارحة ..كمن يتصيد مجموعة من العضوات يحملن جنسيات معينة ...ويبدأ في التحرش بهن بعنجهية غريبة ودون أدنى حياء..كالخليجي الذي يتحرش بالمصرية لأنه يرها "فيفي عبده"..والمصري الذي يتحرش باللبنانية لأنه يراها "هيفاء وهبي"!!

أذكر أن قامت إحدى العضوات المصريات بكتابة موضوع رائع عن حرب السادس من أكتوبر ..وبرغم جدية الموضوع وأهميته، .إلا أني وجدت بعض الأعضاء العرب يشكرونها بشكل يميل إلى "البصبصة"..أكثر من المدح ...كالذي أراد أن يثني عليها بكلمات شكر على موضوعها الجدي جدًا بأن قال لها في تعليقه "مصرية وطرية"!!..وبرغم قذارة التعبير..والنظرة الجسدية التي اتخذها ذلك العضو لها ..أو بمعنى أصح للمصريات.. ..إلا أن العضوه لم ترد!!..فكما استفزني رده ...استفزني أيضًا سكوتها....ولا أعلم.. فربما كان هذا من الحكمة.

كذلك نظرتنا نحن المصريين للبنانيات ..في المنتديات وغيرها ..فهي نظرة سطحية جدًا وتافهة!!
فاللبنانية تعني للمصري.. فتاة مثيرة.. فائقة الجمال ...تتراقص في الكليبات ....ولا تعرف سوى عمليات التجميل..وبضع كلمات بالفرنسية!!

أذكر أن أول فتاة لبنانية تعرفت عليها في حياتي ....قابلتها في مسجد الجامعة ...وصلينا سويًا!!
وفيروز ...تلك الأسطورة ...والتي غنت لمكة وللمسيح ...واشتُهرت بوقفتها "المتخشبة"..- إن جازالتعبير-..على المسرح في حفلاتها، ..لبنانية!!

أكره تلك النظرة السطحية..أكره التعميم في أي شيء!!
بل أرفض تلك النظرة التي ينظرها إلينا بعض العرب على الإنترنيت ..فأرسلت رسالة إلى ذلك العضو بصفتي مصرية متضررة ..وطلبت منه حذف التعليق "الطري"!!
فأنا في المنتديات لست فيفي عبده....والفتاة التي قابلتها في المسجد لم تكن هيفاء وهبي!!



يُتبع..

الأربعاء، 2 ديسمبر 2009

اسم مستعار ..وكلمة سر!! (الحلقة الثالثة)


والمنتدى ليس تعليقات أو نقاشات فقط ...بل شخصيات أيضًا ...وشخصيات المنتديات ..بالفعل تستحق الدراسة ... فبعض الشخصيات تمتلك من الغرابة والتناقض ...ما يكفي لكتابة ضعف الدراسات النفسية التي كتبها فرويد في زمانه!!...

الواعظ
شخصية طالما أتحفتنا بها الدراما ...فهو رمز الخير الذي دائمًا ما ينتصر في النهاية ..ودائمًا ما تجده بشوشًا ..هادئًا ...كلماته رقيقة تلين القلوب عند سماعها... فهو أقرب إلى الشخصية التي لعب دورها "فاخر فاخر" فيلم "اللص والكلاب"...بعبارته الشهيرة "توضأ ..واقرأ"!!

ولكن في إحدى المنتديات حدث أن قابلت شخصية الواعظ تلك ...ويكفي أن اصف لكم الملف الشخصي (البروفايل) الخاص به على المنتدى لتعرفوا مدى اختلافه عن غيره من واعظي الزمن الجميل.

أولا الصورة الرمزية له صورة "أسامة بن لادن"... موطنه باكستان... يستخدم خاصية معينه بالمنتدى تجعل مراسلته غير ممكنه... يتحدث اللغة العربية الفصحى دائمًا ولا عيب في ذلك بالطبع ..ولكنه يستخدم بعض المصطلحات المعقدة بعض الشيء والتي لا يتم تداولها في لغة المنتديات.. مثل "الزندقة" و"السفسطة" وغيرها من المصطلحات التي بالطبع من الصعب تذكرها.
تجده في كل مكان .. تجده في كل الأقسام بالمنتدى ..منتدى الصور ..تجده يعظ بعدم عرض صور "السافرات العاهرات" ..وفي قسم الأفلام تجده يعظ بعدم مشاهدة الأفلام ...يعظ ويعظ ..ولا يكف ..وكأنه أصبح عضوًا في المنتدى ..فقط ليعظ ...ولكن ليست هذه المشكلة ...فالوعظ والإرشاد للطريق القويم شيء مُحبب..ولكن المشكلة في الأسلوب ..هذا الشخص.. أو هذا الواعظ كان يتبع أسلوبًا غريبًا جدًا وهو أن "كلكم مخطئون ...كلكم مذنبون ...كلكم في النار لا محالة" ...وإن ناقشته.. أو حتى حاولت مناقشته ..ينقلب عليك أنت بشكل مفاجئ وسريع ..وبأسلوب هجومي يميل إلى التكفير ...أذكر أني عندما حاولت ..حاولت فقط...الاعتراض على كلمة "السافرات العاهرات" والتي وصف بها بعض المطربات اللبنانيات وبالطبع غير المحجبات التي تم عرض صور لهن على المنتدى ..فلا يجوز إلصاق تلك الصفة (العاهرات) بالباطل مهما اختلفنا مع أسلوب حياتهن، انقلب علي أنا ...وبشكل حاد جدًا قال لي بالحرف الواحد: "لماذا تدافعين عنهم؟ ..لابد أنكي سافرة مثلهم"..وحمدًا لله انه لم يصفني انا أيضًا بالعاهرة ..أقسمت له أني محجبة ..ولكني أكره هذا الأسلوب في الحوار ...وذكرته بقول الله تعالى "ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك" ...وظننت أن بردي هذا أني أفحمته ..وأنه سيروض لسانه السليط ..خصوصًا أن ردي هذا ليس من كلماتي الآن بل من كلمات الله عز وجل ..والذي يدعي هو تطبيق شريعته على الأرض ..ولكن لا حياة لمن تنادي ...أخذ يهاجم ويهاجم.. وكأنه يحمل سيفًا وراء شاشة الكومبيوتر...وحين اعترضه أحد الأعضاء بسؤاله: "لماذا أتيت إلى هذا القسم إذن؟"..سكت ولم يرد!!...تعجبت كثيرًا من إنساحبه المفاجيء من المناقشة بهذه الطريقة ..أسمع صوت العضو وهو يفحمه بهذا السؤال ...ولم يسمع صوت الله؟!!...أم كان جبانًا...يخاف العالمين..ولا يخاف رب العالمين؟!!
يُتبع..