الأربعاء، 23 مارس 2011

ذات الرداء الأزرق!


لم استطع النوم قبل كتابة تلك السطور ...
لم أرد لحماستي أن تهدأ بفعل النوم..


فالمشهد كان بديعًا!



كنت عائدة من عملي انتظر قطار مترو الأنفاق المتجه إلى حي شبرا بمحطة مترو "حسني مبارك" كما هو مكتوب على اللافتة، محطة "الشهداء" كما أتمنى انا!



أقف على ذلك الخط الأخضر الذي يشير إلى مكان باب الصعود فأنا بعد 25 يناير"مصرية جديدة" احترم التعليمات، ورغم أنني كنت أسير على نفس النهج قبل ذلك اليوم العظيم، إلا أن الإحساس هذه المرة كان مختلف...إنها الثورة!



ووقفت بجانبي!


شقراء...طويلة ...ذات ملامح غربية ॥ترتدي بنطلون جينز وسترة زرقاء كانت تجاعيد وجهها تقول إنها قد قاربت الستين। وكنت أنا بجوارها، بناءً على نصيحة صديقة لي، " أعضعض" بعض المقرمشات كنوع من التنفيس بعد يوم حافل بالسخافات! كنت شاردة إلى أن فاجأتني بخطوة سريعة نحو شاب يقف قريبًا منا لتقول له بعربية "مكسرة":



" لو سمهت هنا أربية السيدات"! يضحك البعض ويتهامس البعض ... ينظر لها الشاب في دهشة ثم ينزع عن أذنيه السماعات ليقول لها عابثًا:


"أنتي بتكلميني؟!" تشرح له خطورة الوضع مرة ثانية باهتمام بالغ:


"هنا أربية السيدات ..لو سمهت روح الأربيات التانية"!


يبتعد الشاب عن المكان مرتبكًا ليذهب بعيدًا.. ترجع إلى جواري ليبدأ الحديث..


"كان واقف في المكان الغلط ولما كلمته راه الناهية التانية..ابقوا اتكلموا"
قالتها بابتسامة لي ولفتاة أخرى كانت تقف أمامي قلت لها وأنا محبطة: "هو مشي علشان شاف حضرتك مش مصرية فاتكسف منك" فقالت بحماس شديد:


"لأ أنا مصرية....إشت هنا سنين كتيييير" فسألتها بفضول: "أومال حضرتك أصلا منين؟؟!" ردت بسرعة ودون تفكير: "موش مهم!" لم أعرف لماذا لم تدر برأسي هذه المرة نظرية المؤامرة وأقل أنها من المؤكد إسرائيلية! خصوصًا بعد هذا الرد البوليسي الغامض "موش مهم"! ربما لبساطتها، فلم تكن تتحدث بتلك النبرة الغربية المتعالية! لم أشعر بالغربة وقتها!


لا أعرف ...فقد كانت صادقة جدًا


"لو انتوا كنتوا كتير واتكلمتوا مع بأض ..هيمشوا"


قالتها بنبرة تحفيز مصحوبة بابتسامة شبه دائمة نظرت إليها الفتاة في انبهار وسعادة وقالت: "إحنا في المترو اللي فات كان فيه برضو رجالة في العربية واتكلمنا كلنا لحد ما نزلوا ...بس لو واحد شكله قليل الأدب ماحدش بيفتح بؤه" ردت عليها قائلة وكأنها من ثوار ميدان التحرير:

"مصر بقت كويس ....وأنا مصرية وهافتح بؤي" ضحكْت وضحكوا من حولي، إلى أن جاء القطار فقلت لها: "ما تستغربيش لو لاقيتي حد نازل من باب الصعود" قالت لي وكأنها تطيب خاطري: "أنا إشت هنا سنين كتير وآرفة الناس هنا ....المصري كويس ..بس موش متأود آلا الديموكراسي" وقفنا سويًا بحكم الزحام هادئتان إلى أن وقع المحظور ونظرت خلفها!


كان هناك هذه المرة مجموعة من الشباب راكبين معنا عربة السيدات وقلت في نفسي "ربنا يستر"، ففاجأتني بنفس الخطوة السريعة متوجهة إليهم


"لو سمهتم هنا أربية السيدات..انزل أبل ما الباب يقفل"!


وهنا بدأت الكوميديا.. وكوميدية المشهد تكمن في مستوى الحوار الذي تحدث به شباب أكثرهم أناقة "واخد بشلة في وشه"! وكان الرد جاهز ومحضر قبل حتى وجود أي نية للشجار:


"إنتي كمان مش من البلد وبتتكلمي؟؟!"


قالها بعصبية مصحوبة بشيء من الضحك والسخرية فردت عليه بهدوء وابتسامة:


لأ أنا مصرية زيك!"

كدت اقبل رأسها احترامًا. تذكرت ذلك الزمن البعيد الجميل الذي عاش فيه بيننا أجانب على كل شكل ولون منصهرين فينا رافضين أي شكل من أشكال التصنيف!


يونانيين وطلاينة وأرمن وأتراك ......جميعهم وقت الشدة قالوا نفس كلمتها "لأ مصريين"! بل منهم من وصل به الأمر إلى محاربة الإنجليز معنا كأي فدائي مصري وقتها.



والآن زمن آخر ...حرب أخرى تسمى التغيير!


ثورة أخرى ضد احتلال فكري مسيطر كالعقيدة


وصل السجال بينها وبين أحد الشباب بعد شرح محاضرة منها عن كيفية احترام التعليمات إلى حد أن حلف بالطلاق لاهو نازل المحطة اللي جاية!

كانت محط سخرية الجميع، وهي رغم الضحك تنظر إلينا بعين الواثق في نفسه وبابتسامة المؤمن بما يقول. "انزلوا من الباب التاني ده للسوئود بس"!

كانت الوحيدة التي "فتحت بؤها" هدأ الموقف بنزول بعضهم من العربة وعناد البعض! جلست فجلست بجوارها وتبادلنا أطراف الحديث عن الثقافة المصرية، وكيف أن بإمكاننا أن نغير من بعضنا البعض... فقط إن توفرت لدينا الشجاعة والإيمان

كان الحديث حميمي بعربية "مكسرة" جميلة! نزلنا سويًا المحطة ذاتها. واعتذرت لها عن ما واجهته من سخافات وسوء أدب شباب العربة! وضعت يدها على كتفي وابتسمت قائلة:

"كل بلد فيه الهلو والوهش"!


وضعت تذكرتي بالماكينة ومن ثم هي. نظرت إليها لأودعها بعد مشهد هزلي مؤلم
من هول انبهاري وإعجابي بها. نسيت حتى أن أسال عن اسمها... فقد أجبرتني على النسيان.
فلما الاسم؟.. "موش مهم"!
يكفي أنها مصرية!


مصرية ....أرادت لمصرنا الخير
فأقسمت أن أكتب عنها حتى لو اضطررت إلى الإشارة إليها كما الحكايات بـ "ذات الرداء الأزرق"!


هذه المدونة إهداء إلى صديقتي "سحاب


تلك الفتاة الرقيقة التي لم أشعر للحظة أنها غير مصرية :)




هناك 5 تعليقات:

  1. الله الله الله الله مليون مرة

    الله عليها

    الله على مصر اللي بتلم الناس فيها زي الأم الحنون

    الله عليك يا لبنى عشان حكيتيها

    اسمحي لي أبعتها لكل اللي أعرفهم

    اسمحي لي أشيرها على الفيس بوك

    اسمحي لي أحكيها لكل الناس

    أحكي عن ذات الرداء الأزرق

    ردحذف
  2. فظيعة حلوة أوي يا لبنى أخيرًا عرفنا إن إحنا ممكن نتعلم شئ كويس من الآخر وهي الإيجابية والتسامح تحديدًا
    تحية كبيرة إلى ذات الرداء الأزرق ولسحاب المصريتين كمان
    شكرًا يا لبنى على مشاركة هذا الحدث الذي أظن أنه أنساكي سخافة اليوم بل سخافة شهر كامل

    ردحذف
  3. الله الله يا لبنى، مقالة جميلة ورائعة بجد. حكاية تخاطب القلب والعقل والمشاعر معًا. شكرًا لكي يا لبنى ولـ"ذات الرداء الأزرق" على مشاركتك لنا بهذا الفاصل الحضاري والراقي والإيجابي :)))

    "وسام إبراهيم"

    ردحذف
  4. بجد قصة جميلة وفيها مغزى رائع وأسلوب تعبيري وصفي لملامح الشخصيات وتحليل ذاتهم وانتقادهم والاستدلال في النهاية اننا "مش مهم مين أنا المهم أنا مصري وبحب البلد دي مهما لفيت الدنيا وأخدت من عمري سنين وحياة في الآخر دي حياتنا "مصر".

    تاني مرة، سلمت حروفك

    "محمد حامد"

    ردحذف
  5. بجد أسلوب قصصي جميل تناول الحبكة الدرامية بكافة أبعادها من شخوص ومشكلة وحلها والوقت والمكان وذروة أحداث وفي النهاية المغزى - "مش مهم مين أنا المهم والأهم إننا نحب البلد دي بنسبة 100% ونحاول نوفي بحبها باحترام ذاتنا كـ"مصريين" دي مش شيفونية زايدة ولكنها حب مطلق لبلدي اللي معرفتش قيمتها إلا بعد ما سبتها وعاشرت غيرها.

    بشكرك على أسلوبك القصصي الماتع ربنا يوفقك في حياتك وتتحفينا دايما بـ"حدوتة مصرية" عن الجميلة مصر.

    تحياتي

    "محمد حامد"

    ردحذف